إستقبل غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل ظهر اليوم الخميس 31 كانون الأول 2020، في الصرح البطريركي في بكركي، الوزير السابق سليم جريصاتي

      التعليقات على إستقبل غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل ظهر اليوم الخميس 31 كانون الأول 2020، في الصرح البطريركي في بكركي، الوزير السابق سليم جريصاتي مغلقة
مسودة تلقائية

إستقبل غبطة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل ظهر اليوم الخميس 31 كانون الأول 2020، في الصرح البطريركي في بكركي، الوزير السابق سليم جريصاتي الذي قال بعد اللقاء:" تشرفت اليوم بلقاء سيدنا غبطة البطريرك الراعي اولا لأخذ البركة ومن ثم التمني لأن تكون سنة 2021 سنة مختلفة تماما عن السنة المنصرمة بلا اسف. وعلى اساس ان تكون السنة الوافدة تحمل كل الآمال في ان يستقر الوضع في لبنان وان يتخلص لبنان من الأزمات الموروثة والمتماثلة او المستجدة على اكثر من صعيد.وبحثنا ايضا في الوضاع الراهنة ونحن نعود دائما الى هذا الصرح الذي اعطي له مجد لبنان في الملمات والأوقات الصعاب ونعتبر ان الصرح البطريركي هو صرح وطني كبير ولا نقارب الموضوع بنفس جهوي او فئوي او طائفي او مذهبي لا سمح الله بل نأتي الى هذا الصرح لنتكلم بالشؤون الوطنية الكبرى."

وتابع:" تبادلنا الآراء في مواضيع كثيرة واستمعنا الى رأي البطريرك وعرضنا له رأينا في التجربة من الذي حصل في موضوع تشكيل الحكومة اللبنانية. وكان غبطته مستمعا وفطنا ومسهلا كالعادة في وضع الأمور في نصابها المؤسساتي والدستوري الصحيح. واملي ان يصل لبنان الى شاطئ الأمان في ال2021 وان تكون البدايات واعدة وان نكون في منتصف السنة قد تجاوزنا الكثير من العقبات وان نرسو جميعا على دولة مؤسسات نحن نصبو اليها بكل جوارحنا."

واضاف:"نحن نعتبر بكركي مرجعية وطنية بكل المفاهيم والمعايير، وغبطة البطريرك والرئاسة على خط كتواز في موضوع خلاص لبنان ولم ار اي تباين في وجهات النظر على العكس لمست تشجيعا من غبطته بأن نذهب جميعا الى النفس المؤسساتي اي الى خلاص لبنان ليس على

اساس جهوي او فئوي او مذهبي. لقد قال غبطته اذهبوا الى المؤسسات وقال انا والرئيس متفقان على موضوع عمل المؤسسات انشاء السلطات الدستورية بشكل متواز."

وفي رده على سؤال حول العقبة التي تقف في وجه تشكيل الحكومة اعلن جريصاتي ان:"العقبات كثيرة ولكن تبقى عقبات قابلة للحل ان صفيت نيات كل من يتداول في الشأن الحكومي، وبالتالي فإن اصحاب الربط والحل يعلمون ان هناك حلولا ممكنة عند تأليف الحكومات والحل الواحد هو الذي يقدمه لنا الدستور اي العيش المشترك اي المشاركة الفعلية في انشاء السلطات."

ثم ترأس غبطته افتتاح السنة القضائية بحضور المطارنة حنا علوان النائب البطريركي العام والمشرف على المحكمة الإبتدائية المارونية الموحدة، المشرف على العدالة المطران مارون عمار، ورئيس المحكمة الإستئنافية المطران الياس سليمان والقضاة وموظفي المحاكم الروحية المارونية.

استهل اللقاء بالنشيد الوطني اللبناني ثم رفعت صلاة الأبانا ليلقي بعدها رئيس المحكمة الإبتدائية الموحدة المارونية الخوري جوزيف نخلة كلمة قال فيها:" نتشرف اليوم بزيارة هذا الصرح المبارك وبلقاء غبطة أبينا السيد البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى، لنجدد ولاءنا لأمنا الكنيسة بشخص رأسها وراعيها، ولنقدم لكم تهانيَنا بالأعياد المباركة ولنتمنى لكم ولكنيستنا ولوطننا عاماً جديداً مباركاً نرتاح فيه من أزماتنا الصحية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية … وعلى كافة الصعد الأخرى.

يتخبط وطننا منذ فترة غير قصيرة، بأزمات تهدد هويته وكيانه ووجوده، ولا يشعر المسؤولون الزمنيون فيه بالحاجة إلى الإصلاح المطلوب من أجل الإنقاذ والتغيير، فالمصالح الضيقة الفئوية والحزبية والشخصية طغت في مواقفهم وتصرفاتهم على مصلحة الوطن وعلى خير أبنائه، وهم يختلفون على المراكز والحصص والصلاحيات وعلى المناصب والمنافع باسم طوائفهم تارة وأحزابهم طوراً ومن بعدهم الطوفان بل الجحيم. ولقد ناديتموهم يا صاحب الغبطة دائماً، واستصرختم ضمائرهم ولكن ما من سميع ولا مجيب. وقد كنا معكم نأمل بنجاح مبادرتكم الأخيرة

وبتشكيل حكومة مستقلة من ذوي فكر نيّر وضميرٍ حي واستقامة سيرة ومن أصحاب خبرة واختصاص لا يغلبون مصالحهم ومصالح مراجعهم على مصلحة الوطن بل يعملون على إخراجه من أزماته ويعيدون الثقة إلى المواطنين بوطنهم، وإلى العالم بهذا البلد الذي دفعه حكامه إلى شفير الهاوية، ولكن أملنا خاب إذ بدل أن يصغوا إلى صوت الراعي الصالح صوت الحق والخير والضمير أصمّوا آذانهم وقسَّوا قلوبهم وآثروا أن يستمروا في الارتهان للخارج وأن يلبوا طموحات ومصالح دول خارجية غريبة.

ونحن يا صاحب الغبطة، مع شعبنا نعاني من تبعات ما يفعلون، ونتحمل ونصبر ونصلي كي يجيز الرب عنا هذه الشدة وأن يقصر هذه الأيام الرديئة التي زاد من قساوتها ومرارتها فيروس كورونا وجعلنا مع أهلنا ومع أبناء كنيستنا ووطننا نعيش في قلق متزايد على الصحة والسلامة وعلى الحياة والمصير، وننتظر الفرج ونرجوه، لا من بشر، بل من ربنا وإلهنا الرحيم والقدير.

لقد أرخت أزمة كورونا بثقلها على المحكمة، منذ نحو تسعة أشهر، وحتّمت علينا الاقفال حيناً، والعمل الجزئي حيناً آخر، وقد أصيب البعض من قضاة المحكمة وموظفيها والمحامين الذي يؤمونها بعدوى الداء، غير أن العناية الإلهية سلّمتهم، ولا نزال نعمل بحذر شديد متبعين الإجراءات الوقائية، ما أمكن، ساعين إلى تأمين خدمة أصحاب الحقوق، وإلى تسهيل أمورهم وعقد الجلسات الضرورية وإصدار القرارات والأحكام، وقد كنا نظن ونأمل أن هذه الأزمات المتلاحقة سوف تعزز الوحدة في عائلاتنا وتلهي الأزواج عن مشاكلهم وتبعث فيهم روح التسامح والتضامن والتعاون من أجل الأولاد القاصرين على الأقل، غير أن الواقع بدا مغايراً فلا تزال المشاكل مستفحلة، وأعداد دعاوى بطلان الزواج هي عينها إن لم نقل أنها ازدادت نسبة إلى السنوات الماضية، فلو أن العمل كان طبيعياً خلال السنة المنصرمة لكانت الدعاوى المسجّلة أكثر مما هي عليه اليوم بكثير.

إن صعوبات هذه المرحلة، جعلتنا نقف أحياناً كثيرة حائرين في كيفية الحكم بالمفاعيل المادية للزواج، فالارتفاع الهائل في سعر صرف الدولار في السوق السوداء، وحجز أموال المودعين في المصارف، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، والتغيّرات التي طرأت في أساليب التدريس كالتعلم عن بعد، وعدم وضوح الرؤيا بما يتعلق بقيمة الأقساط المدرسية، والزيادات المطّردة في كلفة الطبابة والاستشفاء، جعلت غير عادل أو مقبول اي قرار نصدره، فمن يُفرَض عليه يشعر بالظلم، ومن يُفرض له يشعر بالغبن، وكلاهما يسعيان إلى التعديل زيادة من هنا وإنقاصاً من هناك. غير أن بعضاً من المتقاضين الذين باتوا مقتنعين بوجوب عقد اتفاقات رضائية بهذا الشأن، يفعلون ذلك، ويخففون عنا أحياناً بعض الأعباء ويجنبون أنفسهم المماحكات والصراعات غير المجدية.

لقد أظهرت هذه الأوضاع الاستثنائية أيضاً، يا صاحب الغبطة، حاجةً إلى قوننة وسائط جديدة لمتابعة بعض الأعمال الإدارية والإجراءات القضائية، وقد استفدنا، في بعض الأحيان، من وسائل التواصل الاجتماعي لعقد اجتماعات المذاكرة وإصدار الأحكام، ولذلك، وأسوة بالكثير من المؤسسات التعليمية والجامعات وحتى أسوة ببعض المحاكم في خارج البلاد بتنا نطرح السؤال عن إمكانية خلق نظام معلوماتي جديد يتيح، عند الاقتضاء، الاستعانة بالوسائل المتاحة على شبكة الانترنت لتقديم الطلبات والعرائض أو لتبادل اللوائح أو للإطلاع على حركة الملفات، أو حتى لعقد جلسات استجواب يتعذّر إجراؤها بسبب ظروف قاهرة.

إن لنا، يا صاحب الغبطة والنيافة، ثقة كبيرة بحكمتكم ودعمكم، وبنا حاجة إلى توجيهاتكم وإرشاداتكم الأبوية، في كافة المجالات،… وإلى مساعدتنا على تخطي ومعالجة الصعوبات التي تعترض استمرارانا في قيامنا بخدمة الكنيسة والعدالة فيها – وقد أصابنا ما اصاب أبناءنا من تبعات تلك المصائب والمصاعب – كما وعلى انتظام العمل في محاكمنا وتحسين أدائها وتطوير نظامها، من أجل تأمين الحقوق لأصحابها.

فالشكر، لكم تكراراً يا صاحب الغبطة والنيافة، والشكر أيضاً لأصحاب السيادة، القيمين، على محاكمنا، ولا سيما سيادة المطران حنا علوان المشرف على المحكمة الابتدائية الموحدة المارونية، وسيادة المطران مارون العمار المشرف على العدالة، وسيادة المطران الياس سليمان رئيس المحكمة الاستئنافية، على عملهم الدؤوب من أجل تقدم العمل في المحكمة، وعلى رعايتهم وسهرهم الدائم عليها.

عشتم يا صاحب الغبطة والنيافة، ودمتم لنا راعياً صالحاً ومدبراً حكيماً ورأساً لكنيستنا المارونية، وعيناً ساهرة على محكمتنا ومن وما فيها.

 

بدوره القى البطريرك الراعي كلمة قال فيها:" إخواني السادة المطارنة الأجلّاء،الآباء القضاة والموظفون القضائيّون في المحكمتين الإبتدائيّة الموحّدة والبطريركيّة الإستئنافيّة المحترمون،المحامون والمحاميات،أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء.

 

1. يسعدني أن أستقبلكم، ونحن بين عيدي الميلاد المجيد وبدء السنة الجديدة 2021، بل في آخر يوم من العام 2020، وأن أبادلكم التهاني بالعيدين، راجيًا أن يكونا مصدر خير وسلام عليكم وعلى عائلاتكم وعلى محاكمنا الروحيّة. وأشكر عزيزنا الخوري جوزف نخلة رئيس محكمتنا الإبتدائيّة الموحّدة على عاطفة التهنئة التي عبّر عنها في كلمته باسمكم جميعًا، وعلى الهموم المشتركة بين محاكمنا والمتقاضين، وعلى وجوب إيجاد سبل تقنيّة للتقاضي في الظروف الراهنة. وألتمس معكم من الله شفاء جميع المصابين بوباء كورونا، وإبادة هذا الوباء، لكي تعود الحياة الطبيعيّة إلى الكرة الأرضيّة والأوطان والمؤسّسات، رحمةً بالفقراء والمحرومين من أبسط وسائل العيش.

ويطيب لي أن أتناول معكم هذه السنة موضوع شخصيّة القاضي والميزات التي ينبغي أن يتحلّى بها مع الإنصاف، وسعيه إلى إكتساب اليقين الأدبيّ.

 

أوّلًا، شخصيّة القاضي وميزاته

 

2. القاضي هو خادم الحقيقة، ومحقّق العدالة، وفاعل السلام.إنّ ترابط هذه الثلاثة المتكاملة ظاهر في الكتاب المقدّس وتعليم الكنيسة واللاهوتيّين والإجتهاد القضائيّ. فالحقيقة هي "أساس العدالة وأمّها"، بل "هي شريعة العدالة". والعدالة تزرع السلام في قلوب المتداعين، على ما يقول أشعيا النبيّ "السلام ثمرة العدالة" (أش 32: 17).(راجع خطاب القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني لمحكمة الروتا الرومانيّة في 4 شباط 1980).

وكون الحقيقة "أساس العدالة وأمّها وشريعتها"، فإنّها "تحرّر المتداعين" (مر 10: 9) وكلّ الّذين يلجأون إلى الكنيسة متوجّعين من أوضاعٍ مؤلمة ولا سيّما الشك في صحّة رباطهم الزوجيّ. ووجوده. من واجب القاضي أن يقول ما هو حقّ وعدل، كما تعني اللفظة اللاتينيّة iudex من فعل ius-dicere. ولذلك يتّخذ حكمه قوّة الشريعة وطابعها الإلزاميّ بالنسبة إلى الأشخاص المعنيّين بهذا الحكم. وكون الحكم عملًا خطيرًا في نتائجه، لا يستطيع القاضي أن يصدره إلّا بعد تكوين اليقين الأدبيّ لديه بنتيجة الدرس والتنقيب وجمع الحيثيّات من كلّ أعمال الدعوى والعلامات والبيّنات والقرائن.

3. من أجل أن يأتي حكم القاضي صائبًا ومنسجمًا مع الحقيقة والعدالة، ومنزّهًا عن أيّ خطأ أو ظلم، وضعت الكنيسة قواعد في أصول المحاكمات كطريق يسلكه القاضي في البحث عن الحقيقة الموضوعيّة، وقول العدالة بإسم الله العظيم، بما له من سلطان أسندته إليه السلطة في الكنيسة. ليست هذه القواعد غاية بحدّ ذاتها، بل هي وسائل لبلوغ الحقيقة. فتكون أولى صفات القاضي

الأمانة للشريعة الإلهيّة، الموحاة والطبيعيّة أوّلًا ثمّ للشريعة الوضعيّة القانونيّة في جوهرها وفي أصول تطبيقها. هذه الأمانة تقتضي من القاضي أن يتماهى معها، بحيث يمكن القول وبحقّ "إنّ القاضي هو الشريعة نفسها التي تتكلّم". هذه الأمانة عينها هي الّتي تدفع بالقاضي إلى التحلّي بمجموعة من الصفات التي يحتاج إليها لكي يتمّ واجباته تجاه الشريعة، وهي: "الحكمة لفهم الشريعة، والعلم لإظهارها، والغيرة للدفاع عنها، والفطنة لتفسيرها، والتبصّر لتطبيقها" (خطاب القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني لمحكمة الروتا الرومانيّة في 4 شباط 1980، 8).

4.وبالنسبة إلى دراسته ملفّ الدعوى، يجب أن يتحلّى القاضي بصفتين: الأولى الإجتهاد (diligence)، الذي هو ليس فقط الإعتناء والدقّة، بل وبخاصّة الشعور العاطفي، كما تعني اللفظة اللاتينيّة (diligere ومنها dilection)، وأيضًا الوعي الواضح للمسؤوليّات التي غالبًا ما تمسّ بالعمق المساحة الشخصيّة والزوجيّة.

والصفة الثانية السرعة (célérité) التي تعني الإسراع في دراسة الدعوى والحكم فيها، مع تجنّب نقيضين: التسرّع الذي يحول دون الدراسة الهادئة؛ والبطء الذي يحرم المتداعين من تقديم الأجوبة لقضاياهم في الوقت المناسب، وهم في حالة قلق مطالبين بحلّ سريع (خطاب القدّيس البابا بولس السادس لمحكمة الروتا الرومانيّة في 28 كانون الثاني 1978).

من أجل ضمانة الجوّ الضروريّ لبحث المسائل بحثًا هادئًا ومتنبّهًا وكاملًا ومستفيضًا، ومن أجل تأمين الإمكانيّة الواقعيّة للمتداعين كي يتبسّطوا في براهينهم وحججهم، فمن واجبهم إعتماد قواعد، أصول المحاكماتالتي تضمن لهم حقوقهم في كلّ مراحل التداعي. كما تضمن للقاضي الطريق الّذي يؤدّي به إلى الحقيقة الموضوعيّة، وبالتالي إلى خدمة العدالة. ولا يغفل عن باله أنّ الكلّ يدخل في إطار التدبير الخلاصيّ، لكون "خلاص النفوس هو الشريعة الأسمى" (المرجع نفسه).

 

ثانيًا: الإنصاف(équité)

 

5. لا يغيبنّ عن بال القاضي أنّ العدالة، التي يفصل بها القضيّة المتنازع بشأنها، تحتاج إلى روح الإنصاف الّذي يلطّف العدالة، إدراكًا منه أنّ "أقصى العدالة أقصى الظلم". مع تمسّكه بالشريعة، يأخذ القاضي بعين الإعتنار أوضاع الأشخاص والظروف الراهنة للقضيّة، وغاية الشريعة، وراعويّة قوانين الكنيسة الهادفة إلى تعزيز الخير العام وخير النفوس. الإنصاف يصلح قسوة الشريعة وشكليّاتها، ويلطّف العدالة بالرحمة. "فالرحمة هي القبلة على جبين العدالة" (مز 85: 11)، والإنصاف صيغة رفيعة للعدالة، وتعبير ناطق عن المحبّة والرحمة المسيحيّة.

نجد في مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة قوانين ترسم وجوب تطبيق رسومها بالإنصاف، مثل القوانين 24، 929، 998 بند1، 1400، 1501. ومن المعلوم أنّ "الإنصاف القانونيّ الكنسيّ" موروث من الإجتهاد القضائيّ الرومانيّ القديم وقد حدّده "بالعدالة الملطَّفة بطيب الرحمة" (راجع خطاب القدّيس بولس السادس للروتا الرومانيّة في 8 شباط 1973).

أشار القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته العامّة "الرحمة الإلهيّة" (30 تشرين الثاني 1980) إلى كيفيّة سوء إستعمال مفهوم العدالة وتشويهها في الواقع، وخلُص إلى القول: "إنّ العدالة وحدها لا تكفي، فيجب أن يُفسح بالمجال لفضيلة أخرى هي المحبّة الرحيمة لتكيّف الحياة البشريّة على إختلاف وجوهها" (الفقرة 12). وكتب: "الرحمة الصحيحة هي أعمق ينابيع العدالة" (الفقرة 14).

 

ثالثًا: اكتساب اليقين الأدبيّ

 

6. يوجب القانون 1291 على القاضي، لكي يتمكّن من إصدار حكمه في القضيّة التي ينظر فيها، أن يتوفّر عنده اليقين الأدبيّ بشأنها إنطلاقًا من جميع أعمال الدعوى وبيّناتها (البندان 1و2). الأعمال هي الوسائل المكتوبة التي تبيّن واقعات الدعوى. إذا احتاج القاضي إلى مصادر أخرى تؤدّي إلى اليقين، عليه أوّل الأمر إدخالها في أعمال الدعوى، عملًا بالمبدأ الذي يقول إنّ "كلّ ما لا يوجد في الأعمال يُعتبر غير موجود". والقانون 1278 "يمنع منعًا باتًا أن تبقى خارج أعمال الدعوى معلومات يتلقّاها القاضي من المتداعين أو المحامين أو أشخاص آخرين". أمّا البيّنات فعلى القاضي أن يقيّمها بحسب ضميره، مع التقيّد بما يرسمه الشرع بشأن فعاليّة بعض البيّنات (البند 3).

إذا لم يتكوّن اليقين الأدبي لدى القاضي بعد كلّ الجهود، فعليه عندئذٍ أن يحكم بعدم ثبوت حقّ المدّعي وبإطلاق سبيل الـمُدّعى عليه. أمّا في الدعاوى التي تتمتّع بحماية القانون، فعلى القاضي أن يحكم دائمًا لصالحها (البند 4). وهكذا عند الريب يجب دائمًا الحكم بصحّة الزواج حتى إثبات العكس (ق 779).

7. اليقين الأدبيّ هو الّذي يقصي أيّ شكّ ذي أساس أو معقول، ولكنّه يفسح في المجال للإمكانيّة المطلقة لتبيان العكس. ليس اليقين مجرّد يقين ذهنيّ (subjectif)، قائم على المشاعر الشخصيّة أو على نقص في الخبرة، بل هو درجة من التأكّد تحمل العقل الراجح على العمل، من دون أيّ شكّ، على إقرار الإستنتاجات التي يبلغ إليها.

اليقين الأدبيّ يختلف عن اليقين الحسيّ الخاص بشرائع الطبيعة، وعن الماورائيّات (métaphysique) التي تتبع الخطّ المطلق للمنطق، وعن الأرجحيّة(probabilité)، ولو كبيرة، لكنّها لا تصل إلى اليقين.

إنّ صفة "أدبيّ" خاص باقتناع القاضي، كما هي الحال مع العديد من حالات أفعال البشر التي يجب على القاضي أن يعلن قراره بشأنها (راجع Pio Vito Pinto, Commento al Codice canonico, p. 916; John Bruke, A Dictionary of Canon Law, p. 319-320).

يُعلّم المكرّم البابا بيوس الثاني عشر أن بين طرفي اليقين المطلق والشبه يقين أو الأرجحيّة يوجد اليقين الأدبيّ الّذي يُقصي كلّ شكّ ثابت أو منطقي، وفي الوقت عينه يترك قائمة الإمكانيّة المطلقة للعكس. هذا اليقين ضروريّ وكافٍ من أجل إصدار حكم، وسير خدمة العدالة المنظّمة من دون إبطاء غير مجدٍ، ومن دون تحميل المحكمة والمتداعين أثقالًا مفرطة.

في بعض الأحيان لا ينتج اليقين الأدبيّ إلّا من كميّة علامات وبيّنات، إذا أُخذت منفردة لا تشكّل يقينًا حقيقيًّا، بل فقط عندما تؤخذ مجتمعة ولا تترك أي شكّ لدى إنسان ذي عقل سليم. وعليه، لا يمكن العبور بأي حال من مجرّد مجموعة إحتمالات إلى اليقين، لأنّه يكون عبورًا من جنس إلى جنس مختلف جوهريًّا. ولكن بالنسبة إلى العلامات والبيّنات التي تتواجد مع بعضها البعض، يمكن أن يكون لها أساس واحد ومصدر مشترك هو الحقيقة الموضوعيّة والواقع. في هذه الحالة يتوفّر اليقين من تطبيق سليم لمبدأ البرهان الكافي. يحقّ للقاضي أن يعلن في حكمه كلّ هذه الأمور التي تختصّ بالعلامات والبيّنات (راجع خطاب المكرّم البابا بيّوس الثاني عشر إلى الروتا الرومانيّة في أوّل تشرين الأوّل 1942).

 

الخاتمة

 

8. إنّ السعي إلى اكتساب اليقين الأدبيّ من كلّ أعمال الدعوى وبيّناتها مطلوب ليس فقط من القاضي المقرّر الّذي يكتب الحكم، بل أيضًا من القاضيين الآخرين اللذين يشكّل معهما الهيئة الحاكمة بموجب القانون 1292 الخاص بكيفيّة إجراء المذاكرة.

وبما أنّه لا توجد حالة مثل الثانية، يجب على كلّ قاضٍ أن ينظّم في رأيه "قسم القانون" بما فيه من تعليم واجتهاد قضائيّ، لأنّه يسلّط الضوء على الحالة المطروحة للنظر فيها.

في ضوء كلّ ما رأينا يجب على القاضي أن يتّصف بالمعرفة والمنطق والحكم السليم، وأن يطالع باستمرار إجتهادات محكمة الروتا الرومانيّة، والمحاكم المدنيّة، وأن يتملّك من قواعد أصول المحاكمات.

كلّ هذا الّذي قلناه عن القاضي ومسؤوليّاته، يصلح للمحامين، لأنّ ما يعنيهم في الدعوى التي يتولّونها إنّما هو مساعدة القاضي على إكتشاف الحقيقة التي يدافعون عنها، وعلى قول العدالة التي يريدونها، وتوفّر اليقين الأدبيّ لدى القاضي لصالح قضيّتهم.